وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: تسعى القوى العظمى إلى توظيف نفوذها الاجتماعي والثقافي والسياسي، بل وحتى العسكري، لدفع المجتمعات المستهدفة نحو المسارات التي تخدم أهدافها ومصالحها. ومن خلال إدارة الوعي والإدراك المجتمعي، تعمل هذه القوى، في نهاية المطاف، على توجيه نتائج صناديق الاقتراع، بحيث تفرز، باسم الديمقراطية، ما تريده هي، لا ما تريده الشعوب بالضرورة.
إن الصراع ومحاولات المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي ترى فيها القوى العظمى قوةً أخلّت بما تسميه النظام الدولي، أو بتعبير أدق، منظومة تقاسم العالم بين القوى الاستعمارية، لم تعد أمراً خافياً. كما أن الخلاف بين السياسيين الأمريكيين بشأن إنهاء الثورة الإسلامية والقضاء عليها يكاد يكون معدوماً؛ إذ لا يتمحور التباين بينهم حول الهدف، وإنما حول كيفية التعامل مع إيران، وفقاً لما تقتضيه المصالح الأمريكية.
وإذا كان الديمقراطيون في الولايات المتحدة يهاجمون اليوم الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بسبب الحرب على إيران، فإن ذلك لا ينبع من موقف دفاعاً عن إيران أو حرصاً على مصالحها، وإنما يرتبط بالضغوط الاقتصادية التي شهدها الداخل الأمريكي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، وما ترتب عليها من تداعيات أثارت استياءهم.
وعلى خلاف ما ذهب إليه بعض المحللين والسياسيين في إيران، وروّجوا له داخل المجتمع، من أن إغلاق مضيق هرمز سينتهي في المحصلة إلى الإضرار بالجمهورية الإسلامية، وأن القوى الكبرى الأخرى، كالصين وروسيا، ستصطف إلى جانب الولايات المتحدة، جاءت نتائج صناديق الاقتراع لتكشف، بحسب هذه القراءة، هشاشة تلك التحليلات وتهافتها. كما أن عدم انضمام الصين وروسيا إلى الموقف الأمريكي، بعد مرور ثمانية أشهر، يكشف عن قصور واضح في فهم أصحاب هذه الآراء لطبيعة التفاعلات الدولية وآليات إدارة الصراع على المستوى العالمي.
إن قرار إغلاق مضيق هرمز، الذي اتُّخذ في إطار التدبير والحنكة، وبما يعكس رؤية القيادة العليا للقوات المسلحة وتعاونها مع مختلف التشكيلات العسكرية، إلى جانب مواكبة التيار السياسي في البلاد، أظهر في نهاية المطاف تداعياته على الساحة السياسية الأمريكية، مع الهزيمة التي مُني بها الجمهوريون في الانتخابات. وقد بلغ الأمر بترامب نفسه حدّ الإقرار بذلك، حين اضطر إلى الاعتراف بأن الحرب مع إيران، وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار الوقود، كانا من أسباب خسارتنا في الانتخابات.
إنه السلاح الذي غيّر مسار انتخاباتٍ بأكملها، وأعاد رسم معادلاتها: مضيق هرمز.
والسلام.
محمد كاظم الكاظمي
محلل في الشؤون السياسية والدولية
/انتهى/
تعليقك